الأمازيغية والانتخابات.. هل سيصبح التنزيل هو الاختبار بعد الاعتراف
خمسة عشر عاماً بعد دسترتها وسبع سنوات بعد قانونها التنظيمي، تعود اللغة الأمازيغية إلى واجهة النقاش في سياق اقتراع 23 شتنبر — لا بسؤال الاعتراف، بل بسؤال المسافة بين النص والممارسة

تحليل_NEWS LIK
في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يعود السؤال اللغوي إلى الواجهة السياسية المغربية. وقد وجّهت الرابطة الأمازيغية مذكرة إلى الأحزاب تدعو فيها، ضمن مطالب أخرى، إلى توفير الترجمة الفورية بالأمازيغية خلال الجلسات العامة وأشغال اللجان البرلمانية، وإلى تفعيل المقتضيات الواردة في النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان بشأن استعمال الأمازيغية في العمل التشريعي، معتبرة أن حضور اللغة داخل المؤسسة التي تصنع القوانين يمثل أحد الاختبارات العملية لمفهوم الرسمية. كش بريس
ومن منظور تحليلي، يمكن قراءة مضمون هذه المذكرة باعتباره مؤشراً على انتقال في طبيعة النقاش: من مطلب الاعتراف بالصفة الرسمية، إلى مطلب أدوات تنزيلها داخل المؤسسة. وهي قراءة للكاتب، لا خلاصة دراسة.
مسار موثق: من أجدير إلى القانون التنظيمي
شكّل خطاب أجدير سنة 2001 محطة أساسية في المسار الرسمي للأمازيغية، وأعقبه إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، قبل أن يُتوَّج المسار بترسيمها في الدستور. العربي الجديد
وينص الفصل الخامس من الدستور على أن العربية تظل اللغة الرسمية للدولة، وأن «الأمازيغية تعد أيضاً لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة بدون استثناء». SNRT News
وقد استُند إلى هذا الفصل نفسه في بروتوكول التعاون المبرم بين مجلس المستشارين والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الذي أورد نص الفصل الخامس ضمن مرجعياته. مجلس المستشارين
وبعد نحو ثماني سنوات من إقرار دستور 2011، صادق مجلس النواب سنة 2019 على مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، والذي يهدف إلى إدماج هذه اللغة في مجال التعليم، وفي مجال التشريع والعمل البرلماني، ومجال الإعلام والاتصال، وفي مجالات الإبداع الثقافي والفني، وفي الإدارات وسائر المرافق العمومية والفضاءات العمومية ومجال التقاضي. الشرق الأوسط
وفي مرحلة لاحقة، أُضيف يوم 14 يناير من كل سنة عطلة رسمية بمناسبة رأس السنة الأمازيغية بموجب مرسوم نُشر بالجريدة الرسمية، بعد أن أعلن الديوان الملكي في 3 ماي إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها، على غرار فاتح محرم ورأس السنة الميلادية. جريدة العالم الأمازيغي
وفي 13 يناير 2026، نظمت وزارة الشباب والثقافة والتواصل ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة حفلاً بالمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط بمناسبة الاحتفال برأس السنة الأمازيغية 2976، تحت شعار «الأمازيغية: من الالتزام إلى التفعيل». بوابة المغرب
ويمكن قراءة اختيار هذا الشعار، من زاوية تحليلية، باعتباره اعترافاً ضمنياً بأن الالتزام مرحلة والتفعيل مرحلة أخرى — وهي قراءة تحتمل النقاش ولا تستند إلى تصريح رسمي بهذا المعنى.
ما تقوله المعطيات الرسمية
خصصت الحكومة غلافاً مالياً لتنزيل ورش تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية موزعاً على 200 مليون درهم سنة 2022، و300 مليون درهم سنة 2023، و300 مليون درهم سنة 2024، على أن يبلغ هذا الغلاف المالي مليار درهم ابتداءً من سنة 2025. SNRT News
وكان رئيس الحكومة قد أعلن هذا المسار التصاعدي، مشيراً إلى تخصيص غلاف يناهز 200 مليون درهم برسم سنة 2022 وبرمجة 300 مليون درهم برسم قانون المالية لسنة 2023، على أن يُرفع تدريجياً ليبلغ مليار درهم في أفق سنة 2025. جريدة العالم الأمازيغي
وعلى مستوى التعليم، صرّح مسؤول حكومي بأن نسبة تعميم تدريس اللغة الأمازيغية لم تكن تتجاوز 6 في المائة سنة 2021 حين تولت الحكومة تدبير الشأن العام، وبأنها تقترب من 50 في المائة بنهاية سنة 2026، مرجعاً ذلك أساساً إلى الزيادة في عدد مدرسي اللغة الأمازيغية بالمدارس الابتدائية العمومية، وأنه خلال سنة 2026 تم تخصيص 1000 منصب لأساتذة اللغة الأمازيغية. أريفينو
وتجدر الإشارة إلى أن نسبة نهاية سنة 2026 وردت في هذا التصريح كأفق يقترب تحققه لا كحصيلة نهائية مصادق عليها، وهو ما يفرض التعامل معها باعتبارها معطى حكومياً معلناً في انتظار حصيلة رسمية مدققة.
أما على المستوى البرلماني، فقد تم الشروع رسمياً يوم الاثنين 11 أبريل 2022 في اعتماد الترجمة الفورية في اللغتين العربية والأمازيغية في الجلسات العامة الأسبوعية المخصصة للأسئلة الشفوية. SNRT News
وأعلن مجلس المستشارين، الغرفة الثانية للبرلمان، الشروع في اعتماد الترجمة الفورية إلى اللغة الأمازيغية خلال جلساته. إرم نيوز
وفي عرض حصيلة تدبير هذا الملف، أوضح مسؤول برلماني أنه تم توفير الترجمة الفورية لأشغال الجلسات العامة للأسئلة الشفهية بالبرلمان بتكلفة قدرها ثلاثة ملايين درهم، وأنه تم إبرام عدة اتفاقيات شراكة مع القطاعات الوزارية المعنية. هسبريس
كما أعلنت الأمانة العامة للحكومة الشروع في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمن المنظومة القانونية الوطنية عبر ترجمة نصوص قانونية إلى الأمازيغية. هسبريس
القراءة المقابلة: أصوات من داخل الحقل الأمازيغي
هذه المعطيات لا تحظى بإجماع بين المتتبعين. فقد اعتبر الباحث والفاعل في قضايا الأمازيغية عبد الله بادو أنه بعد مرور أكثر من 13 سنة على دسترة اللغة الأمازيغية لم يتم تحقيق سوى جزء بسيط مما كان منتظراً لها في ظل وضعها الدستوري، وأن المعطيات الخاصة بتعميم اللغة الأمازيغية في قطاع التعليم، الذي يُعد الدعامة الرئيسية لهذا الورش، تُظهر البطء الحاصل في تنزيل المشروع. SNRT News
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر ناشط أمازيغي أن الجزء الأكبر من الميزانية المخصصة لصندوق الأمازيغية صُرف في ما يتعلق بالرقمنة وتغيير أسماء المؤسسات على واجهات البنايات، فيما اعتبر فاعل آخر أن اللغة الأمازيغية تراجعت في قطاع التربية الوطنية، إلى درجة أنه يتم في بعض الحالات تخصيص الساعات المتبقية في استعمال الزمن بعد تدريس جميع المواد للغة الأمازيغية. أريفينو
ومن منظور تحليل السياسات العمومية، يمكن أن يُقرأ هذا التباين باعتباره اختلافاً في وحدة القياس لا في الوقائع: طرف يستند إلى المدخلات (الاعتمادات المالية والمناصب والتجهيزات)، وطرف يستند إلى المخرجات (الأثر داخل القسم والإدارة). ولا يمكن، من منظور السياسات العمومية، قياس أثر سياسة لغوية بالاعتمادات المرصودة وحدها، كما لا يمكن اختزالها في الاحتفاء الرسمي وحده. وهذه ملاحظة تحليلية قابلة للنقاش، لا نتيجة دراسة ميدانية.
من إطار ثقافي إلى وضع دستوري ولغوي
انتقل الإطار الرسمي للأمازيغية تدريجياً من التركيز على بعدها الثقافي، مع خطاب أجدير وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إلى إقرار وضع دستوري ولغوي جديد بترسيمها في الدستور. العربي الجديد
ويقدّم النص الدستوري الأمازيغية باعتبارها «رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة بدون استثناء»، أي بوصفها مكوناً في الرصيد الوطني الجامع لا هوية فئة بعينها. SNRT News
ويمكن أن يطرح هذا التوصيف الدستوري سؤالاً تحليلياً مفتوحاً: هل يؤدي إدراج الأمازيغية داخل مفهوم الرصيد المشترك إلى توسيع قاعدة الالتزام بها، أم يمكن أن يخفف من حدّتها كمطلب حقوقي محدد المعالم؟ وتبدو هنا مفارقة تستحق النقاش: فحين كان الاعتراف الدستوري غائباً، كان الاحتجاج أداة الضغط الأساسية؛ وبعد الترسيم، انتقل جزء من النقاش إلى داخل المؤسسات، حيث يصبح القياس أكثر تعقيداً والإيقاع أبطأ.
وهذه الفقرة بأكملها قراءة تحليلية للكاتب، ولا تستند إلى دراسة أو مصدر يثبتها، ولا تُقدَّم باعتبارها نتيجة علمية.
الأمازيغية والمجال الرقمي: سؤال مفتوح لا حكم نهائي
من الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم مدى ارتباط مستقبل أي لغة بحضورها في المجال الرقمي وفي نماذج معالجة اللغة. ويطرح هذا التطور سؤالاً حول قدرة الأمازيغية على بناء حضور كافٍ في البيانات الرقمية وأدوات المعالجة الآلية، وحول ما إذا كان التهميش المحتمل قد يتخذ مستقبلاً أشكالاً تقنية لا إدارية ولا مدرسية.
ولا يقدّم هذا المقال أي معطى رقمي عن حجم المتن الرقمي الأمازيغي أو عن وضعية نماذج اللغة، لغياب مصدر يثبت ذلك ضمن ما تم الاطلاع عليه؛ ولذلك تُطرح المسألة هنا كسؤال بحثي وصحفي مفتوح، لا كتشخيص نهائي.
ويكتسب هذا السؤال بعداً عملياً في مجال ترجمة النصوص القانونية، وهو مجال أعلنت الأمانة العامة للحكومة الشروع في الاشتغال عليه ضمن مبادرة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية داخل المنظومة القانونية الوطنية. هسبريس
وفي المقابل، يُسجَّل وجود فراغ علمي واضح في مجال دراسة الترجمة الفورية إلى الأمازيغية، سواء على مستوى الوصف الميداني للتجربة أو على مستوى تأطيرها النظري، وهو فراغ يسعى بحث أكاديمي مرتقب حول الترجمة الفورية إلى الأمازيغية داخل البرلمان المغربي إلى الإسهام في سدّه. جريدة العالم الأمازيغي
ويمكن قراءة هذا الفراغ، من زاوية تحليلية، باعتباره جزءاً من المشكلة نفسها: فحين تغيب الدراسة، يصبح تقييم التجربة رهيناً بالتصريحات المتقابلة بدل المؤشرات المستقلة.
خلاصة: سؤال مفتوح لا حكم نهائي
الخلاصة التي يقترحها هذا المقال ليست حكماً على نجاح أو فشل، وإنما إعادة صياغة للسؤال.
فالسؤال لم يعد: هل تم الاعتراف بالأمازيغية؟ فالنص الدستوري حاسم في هذه النقطة، إذ يعدّها لغة رسمية للدولة ورصيداً مشتركاً لجميع المغاربة بدون استثناء. SNRT News
والسؤال الأصعب اليوم هو: إلى أي حد تحوّل هذا الاعتراف إلى ممارسة مؤسساتية وحق فعلي في المواطنة؟ وهو سؤال سياسي وسوسيولوجي مفتوح، تتقابل داخله المعطيات الحكومية المعلنة من جهة، وقراءات باحثين وفاعلين أمازيغ من جهة أخرى، دون أن تتوفر إلى حدود اليوم مؤشرات مستقلة كافية للحسم بينهما.
وإذا كان لهذا النقاش أن يتقدم، فمن المفيد، من منظور تقييم السياسات العمومية، أن ينصرف إلى مؤشرات قابلة للقياس والتحقق: نسبة التعميم الفعلي في التعليم، وعدد المرافق العمومية التي تقدّم الخدمة بالأمازيغية، وحجم النصوص القانونية المترجمة، ودرجة حضور اللغة في الوثائق التنظيمية والتواصلية للفاعلين المؤسساتيين.
أما موعد 23 شتنبر 2026، فهو في هذا المقال سياق زمني وسياسي يعيد طرح السؤال اللغوي في النقاش العمومي، وليس أكثر من ذلك. والمقال لا يتخذ موقفاً من أي فاعل حزبي، ولا يقيّم برنامجاً انتخابياً بعينه، ولا يوجّه أي دعوة تتعلق بالتصويت.



